القائمون على مسلسل الاسباط , في وضع لا يحسدون عليه بالمرة , فقد انيطت اليهم مهمة مستحيلة , وهي مهمة اقناع المشاهد بأمكانية الجمع بين الاضداد , الامر الذي يتعارض مع المنطق وطبيعة الاشياء , وهي اشبه بمحاولة من يريد ان يحجب الشمس بغربال.
لابد من الاعترف ان محاولة تسويق فضائل بعض الشخصيات , مثل معاوية وابنه يزيد , واختلاق الاعذار لهم عما اقترفت ایديهم بحق الاسلام والمسلمين , والانكى مقارنة هذه النماذج بأعظم الشخصيات الاسلامية وأسماها , وفي مقدمتها أمير المؤمنين الامام علي بن ابي طالب عليه السلام, وسبطي رسول الله صلى الله عليه واله , الحسن والحسين عليهما السلام, فمثل هذه المحاولة لاتصدر الا عن جهة سياسية تسعى لتشويه صورة الاسلام , وتبرير كل الفظائع التي ترتكب اليوم في بلاد المسلمين ,وتسويقها على انها عين الاسلام وان لها امتدادا في تاريخ الامة, وان الحاكم مهما فسق وفجر فهو ظل الله في الارض وان من كبائر الذنوب الخروج عليه , وادخال هذه العقيدة الفاسدة في المنظومة المعرفية للانسان المسلم ,لشل تفكيره , وصولا الى تدجينه نهائيا , عبر تسويق هذه الروايات الملفقة عن الاسلام.
ومن اجل وضع القارىء في الصورة التي تحاول الجهات التي تقف وراء مسلسل الاسباط تسويقها مقلوبة الى عقلية الانسان المسلم , ليدرك مدى التدليس والتزييف والكذب الذي مارسته هذه الجهات , للي الحقائق واظهارها كما يريد الطغاة لا كما كانت.
حقيقة بني أمية على لسان الصادق الامین(ص)
- جاء في التفسير الكبير للفخر الرازي , في ذيل تفسير قوله تعالى: (وماجعلنا الرؤيا التي اريناك الا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القران) في سورة بني اسرائيل قال : وفي هذه الرؤيا اقوال (الى ان قال) والقول الثالث قال سعيد بن المسيب :رأي رسول الله صلى الله عليه(اله) وسلم بني أمية ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك , قال :هذا قول ابن عباس في رواية عطا.
- (السيوطي في الدر المنثور) في ذيل تفسير الاية المتقدمة , قال : واخرج ابن ابي حاتم عن يعلي بن مروة قال : قال رسول الله صلى الله عليه (واله) وسلم : اريت بني امية على منابر الارض وسيمكونكم فتجدونهم أرباب سوء , واهتم رسول الله صلى اله عليه (واله ( وسلم لذلك فأنزل الله (وما جعلنا الرؤيا التي اريناك الا فتنة للناس).
- (وقال ايضا) اخرج ابن مردويه هن الحسين بن علي عليهما السلام ان رسول الله صلى الله عليه (واله) وسلم اصبح وهو مهموم فقيل : ما لك يارسول الله؟ فقال : اني رأيت في المنام وكأن بني امية يتعاورون منبري هذا فقيل: يارسول الله لا تهتم فأنها دنيا تنالهم فأنزل الله (وماجعلنا الرؤيا التي أريناك الا فتنة للناس).
(وقال ايضا) اخرج ابن ابي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن سعيد بن المسيب ,وقال : رأى رسول الله صلى الله عليه (واله) وسلم بني امية على المنابر فساءه ذلك فأوحى الله اليه : انما هي دنيا اعطوها فقرت عينه وهي وله :( وما جعلنا الرؤيا التي اريناك الا فتنة للناس ) يعني بلاء للناس - (اقول) وذكر الاخير المتقي ايضا في كنز العمال (ج7 ص 142).
حقيقة معاوية على لسان الصادق الامين(ص)
- (ميزان الاعتدال للذهبي ج2ص7) قال : روى عباد بن يعقوب عن شريك عن عاصم عن زر عن عبد الله قال رسول صلى اله عليه (واله) وسلم : اذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه(اقول) وقد صحح الذهبي الحديث المذكور.
- (ميزان الاعتدال ايضا ج2 ص129) ذكر حديثا قد اعترف بصحته عن ابي سعيد رفعه , اذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه ,وذكر ايضا نحوه عن ابي جدعان.
-(تهذيب التهذيب ايضا ج7 ص 324) في ترجمة علي بن زيد بن عبد الله بن ابي مليكه , قال : حدث حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن ابي نضرة عن ابي سعيد رفعه اذا رايتم معاوية على هذه الاعواد فاقتلوه , قال ابن حجر: واخرجه الحسن بن سفيان في مسنده عن اسحاق عن عبد الرزاق عن ابن عينيه عن علي بن زيد , قال : والمحفوظ عن عبد الرزاق عن جعفر ابن سليمان عن علي ولكن لفظ بن عينيه: فارجموه, فال : اورده ابن عدي عن الحسن بن سفيان.
معاوية في التاريخ
ننقل هنا سطورا من كتاب السيف والسياسة لصالح الورداني , والتي لخص فيها بعض ما أقترفه معاوية بحق الاسلام والمسلمين , ونرى هل تستقيم دعوة الجهات التي تقف وراء مسلسل الاسباط لتبرير كل ذلك الكم الهائل من الجرائم التي ارتكبها الرجل وتسويقه على انه من رجال الاسلام.
( لم يكن معاوية يتحلى بشئ من خلق الإسلام أو يتأدب بأدبه كما لم ينهل شيئا من العلم كذلك كان حال من تحالف معه وكان من جنده . . وكانت رايته راية دنيا وهوى ولم يكن للدين فيها أدنى نصيب . .
من هنا فإنه يمكن القول أن معاوية ربما يكون أول من ابتدع قاعدة الغاية تبرر الوسيلة وعلى أساسها حطم القيم والمبادئ وانتهك الحرمات وأراق الدماء ونقض العهود وغدر بالمسلمين وبدل أحكام الدين.
ولقد استعان معاوية بشرار الخلق من أجل تصفية المعارضين والقضاء على شيعة الإمام علي ومحو ذكره. وعلى رأس الذين استعان بهم معاوية في تصفية المسلمين الملتزمين بالإسلام النبوي من أنصار الإمام بسر بن أرطأة .
تلك الشخصية الدموية التي لم ترحم شيخا ولا امرأة ولا طفلا وارتكبت من الفظائع والمنكرات ما تقشعر له الأبدان .
تروي كتب التاريخ أن معاوية أرسل بسر بن أبي أرطأة ليستخلص الحجاز واليمن من الإمام علي ولما دخل المدينة صعد منبرها وقال : أين شيخي الذي عهدته هنا بالأمس ( يعني عثمان ) ثم قال يا أهل المدينة عليكم ببيعة معاوية وأرسل إلى بني سلمة فقال ما لكم عندي أمان ولا مبايعة حتى تأتوني بجابر بن عبد الله وكان من شيعة الإمام ثم قام بهدم دورا بالمدينة . وانطلق إلى مكة ففر منه أبو موسى الأشعري فقيل ذلك لبسر . فقال ما كنت لأقتله وقد خلع عليا . وأتى إلى اليمن فقتل
عاملها وابنه ثم قتل ابنان صغيران لعبيد الله بن عباس الذي كان قد فر من وجهه إلى الكوفة. وقد صاحت في وجه بسر امرأة من بني كنانة قائلة في غضب : يا هذا قتلت الرجال فعلام تقتل هذين والله ما كانوا يقتلون في الجاهلية والإسلام . والله يا ابن أبي أرطأة إن سلطانا لا يقوم إلا بقتل الصبي الصغير والشيخ . الكبير ونزع الرحمة وعقوق الأرحام لسلطان سوء . . ( أنظر الإستيعاب ترجمة بسر بن أرطأة وكذلك الإصابة وأسد الغابة )
ولم تقف جرائم بسر عند هذا الحد بل تجاوزه . . إلى ارتكاب جريمة لم يسبقه إليها أحد في تاريخ الإسلام وهي سبي نساء المسلمين . .
يروي ابن عبد البر : أغار بسر بن أرطأة على همدان . وكانت في يد علي - وسبى نساءهم فكن أول مسلمات سبين في الإسلام . وقتل أحياء من بني سعد . . ( أنظر الإستيعاب )
ويروى أن بسر بن أرطأة كان من الأبطال الطغاة وبارز عليا يوم صفين فطعنه علي فصرعه فانكشف له - أي كشف عورته له - فكف عنه كما عرض له مع عمرو بن العاص . . ( أنظر الإستيعاب ترجمة بسر بن أرطأة وكذلك الإصابة وأسد الغابة )
ويروى بخصوص بسر وعمرو : إنما كان انصراف علي عنهما وعن أمثالها من مصروع أو منهزم لأنه كان لا يرى في قتلا الباغين عليه من المسلمين أن يتبع مدبر ولا يجهز على جريح ولا يقتل أسير وتلك كانت سيرته في حروبه في الإسلام (أنظر الإستيعاب ترجمة بسر بن أرطأة وكذلك الإصابة وأسد الغابة ).
وبسر هذا الذي ارتكب هذه الفظائع من أجل معاوية يعده القوم من الصحابة لأنه ولد في حياة الرسول ورآه وعلى هذا يدخل بسر في دائرة العدالة حسب قاعدة عدالة الصحابة وبالتالي تتحول جرائمه إلى اجتهادات فعلها متأولا ويثاب عليها .
وجميع من تحالف مع معاوية هو من نموذج ابن أرطأة من الصحابة المختلقين الذين تحص بهم معاوية وجاء أهل السنة فأضفوا عليهم المشروعية
ومن هنا فقد روى بسر عدة أحاديث في كتب السنن على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ففي سنن أبي داود روى قول الرسول صلى الله عليه وسلم : لا تقطع الأيدي - للسارق - في السفر .
وعند ابن حبان روى عن الرسول قوله اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها . وقال فيه ابن حبان : كان يلي لمعاوية الأعمال وكان إذا دعا ربما استجيب له وله أخبار شهيرة في الفتن لا ينبغي التشاغل بها . . (أنظر الإصابة ج1 . ترجمة بسر بن أرطاة ) .
وكان معاوية أول من ابتدأ بقطع الرؤوس في الإسلام . وكان قد قطع رأس عمار بن ياسر ورأس عمرو بن الحمق وهو أحد الذين قادوا الثورة ضد عثمان . كذلك فعل مع محمد بن أبي بكر في مصر حين دخلها عمرو بن العاص ووضعوا جثته في حمار ميت وأحرقوها . وقد أصبحت سنة قطع الرؤوس التي سنها معاوية من السنن التي التزم بها الحكام من بعده . .( أنظر كتب التاريخ والتراجم ).
ومن جرائم معاوية أمره بسب الإمام علي ولعنه على المنابر ومثل هذه الجريمة لا تعد موقفا شخصيا عدائيا من الإمام إنما هي تعبر عن عدائية معاوية للإسلام النبوي الذي يمثله وخوفه من أن تتسرب مفاهيم هذا الإسلام للمسلمين فيكتشفوا زيفه وضلاله .
ولقد تصدى شيعة الإمام لهذه الحملة الإعلامية الشيطانية التي قادها معاوية ضد الإمام علي بعد مصرعه ومصرع الحسن وسيطرته على الحكم . . وعلى رأس الذين تصدوا لحملة معاوية هذه الصحابي الجليل حجر بن عدي وعدد من أنصار الإمام في ولاية زياد بن أبيه بالعراق .
فكان أن قبض عليه زياد وعدد من رفاقه وأرسلهم إلى معاوية في الشام بكتاب يحرضه فيه عليهم متهما حجرا وأصحابه بالدفاع عن علي والبراءة من عدوه وأهل حربه . وقد طلب من حجر وأصحابه البراءة من علي ولعنه فأبوا . وقال حجر : لا اقول مايسخط الرب . فأمر معاوية بقتله وعدد من أصحابه في مرج عذراء عام 51.
- أنظر الطبري ج4 / 190 وما بعدها . وانظر الإصابة ج1 / 333 حرف الحاء القسم الأول والإستيعاب بهامشه ج1 / 381 / 382 .
ومن جرائم معاوية تآمره على قتل الإمام الحسن بالسم وتوليه ولده يزيد خليفة له فكان أن شرع للملكية في الإسلام لتذوق الأمة على يد ولده وملوك بني مروان من بعده ألوان العذاب والظلم والاستبداد. .
يقول الحسن البصري : أربع خصال كن في معاوية لو لم تكن فيه إلا واحدة لكانت موبقة . انتزاؤه على هذه الأمة بالسيف حتى أخذ الأمر من غير مشورة وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة . واستخلافه بعده ابنه سكيرا خميرا يلبس الحرير ويضرب
الطنابير . وادعاؤه زيادا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الولد للفراش وللعاهر الحجر . وقتله حجرا وأصحاب حجر فيا ويلا له من حجر ويا ويلا له من حجر واصحاب حجر .أنظر الكامل ج3 / 242 . والبداية والنهاية ج8 / 130
وعلى يد يزيد بن معاوية وقعت جريمتان بشعتان : الأولى قتل الحسين وأهل بيته في كربلاء . والثانية استحلاله مدينة رسول الله وذبح أهلها وهتك أعراض نساءها . .
تروي كتب التاريخ أن أهل المدينة عصوا يزيد وشقوا عصا الطاعة بعد مصرع الحسين فكان أن سير إليهم جيشا استباح المدينة ثلاثة أيام وقتل آلاف الأنفس من الأشراف وغيرهم وهتك أعراض النساء حتى قيل أنه حبلت ألف امرأة في تلك الأيام من غير زواج . . ( أنظر الطبري ج4 / 372 وما بعدها . والكامل ج3 / 310 وما بعدها . والبداية والنهاية ج8 / 372 وما بعدها )
وعلى الرغم من هاتين الجريمتين بالإضافة إلى منكرات يزيد الأخرى فإن فقهاءالقوم قد انقسموا على أنفسهم تجاهه . فمنهم من أجاز لعنه وهم قلة . بينما توقف أكثرهم فيه بحجة أن ذلك سوف يفتح الباب للعن والده أو غيره من الصحابة . . ( أنظر البداية والنهاية ج8 / 223. واستدل أحمد على جواز لعن يزيد بقوله تعالى : فهل عسيتم أن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله سورة محمد . . ثم قال : وأي فساد وقطع رحم أكبر مما ارتكب يزيد . )
يقول الحسن البصري عن أهل الشام : قبحهم الله وبرحهم أليس هم الذين أحلوا حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتلون أهله ثلاثا قد أباحوها لأنباطهم وأقباطهم يحملون الحرائر ذوات الدين لا ينتهون عن انتهاك حرمة ثم خرجوا إلى بيت الله الحرام فهدموا الكعبة وأوقدوا النيران بين حجارها وأستارها عليهم لعنة الله وسوء الدار . . ( أنظر الكامل ج4 / 170 . )
ويلاحظ أن الحسن البصري يلعن أهل الشام بالعموم دون تحديد وهو بهذا يسير على نهج القوم من عدم جواز لعن المعين . كما أن هذا الموقف كان في العصر العباسي .
ابن تيمية ويزيد
أما ابن تيمية فقد دافع من يزيد ونفى عنه كل الشبهات بقوله : كان من شبان المسلمين ولا كان كافرا ولا زنديقا وتولى بعد أبيه على كراهة من بعض المسلمين ورضا من بعضهم . وكان فيه شجاعة وكرم ولم يكن مظهرا للفواحش كما يحكي عنه خصومه وهو لم يأمر بقتل الحسين ولا أظهر الفرح بقتله . . لكن أمر بمنع الحسين وبدفعه عن الأمر ولو كان بقتاله . . ( فتاوى ابن تيمية ج3 / 410. وما بعدها . . وابن تيمية معذور في موقفه هذا إذ أن كبير فقهاء الصحابة في نظر أهل السنة عبد الله بن عمر قد بايع يزيد وهدد أهل المدينة الذين خلعوا يزيد بقوله إني لا أعلم عذرا أعظم من أن يبايع رجل - يزيد - على بيع الله ورسوله ثم ينصب له القتال وإني لا أعلم أحدا منكم خلعه - أي يزيد - إلا كان الفيصل بين وبينه . ولما جاء جيش يزيد واقتحم المدينة وفعل بها ما فعل بعد مصرع الحسين أمن ابن عمر وحزبه ولم يمسهم بسوء . وما حدث لأهل المدينة على يد جنود يزيد لا يعد جريمة ولا فاحشة في نظر ابن تيمية . أنظر البخاري كتاب الفتن . وانظر تبريرات فقهاء السنة لهذا الحدث الأليم في البداية والنهاية لابن كثير وغيره من كتب التأريخ).
حقيقة فضائل معاوية في الصحيحين
ومن اجل وضع النقاط على حروف سيرة حياة معاوية , يبقى ان نراجع ما له من فضائل في كتب الحديث , وسنقتبس بعض صفحات من كتاب النفيس في رزية الخميس.
( روى ابن الجوزي عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي – ابن راهويه - يقول : " لا يصح عن النبي (ص) في فضل معاوية بن أبي سفيان شيء " .
... البزار حدثنا أبي سعيد بن الحرفي حدثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل قال : سألت أبي فقلت ما تقول في علي ومعاوية ؟ ، فأطرق ثم قال: إيش أقول فيهما إن عليا الموضوعات ج1 ص335 (ع) كان كثير الأعداء ففتش أعداؤه له عيبا فلم يجدوا ، فجاءوا إلى رجل قد حاربه وقاتله فأطروه كيادا منهم له " () .
ونقل كلمة ابن راهويه السيوطي عن الحاكم ، قال بعد ذكر عدة أحاديث موضوعة في فضل معاوية : " قال الحاكم : سمعت أبا العباس محمد بن يعقوب بن يوسف يقول : سمعت أبي يقول : سمعت إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقول : لا يصح في فضل معاوية حديث " (اللآليء المصنوعة ج1 ص 388 ) .
وأما قصة النسائي ورفضه لوجود فضيلة لمعاوية بل كان يعتقد أن الأخبار جاءت بذمه فمن واضحات ما سطر في الكتب ، وممن رواها الحاكم النيسابوري عن محمد بن إسحاق الاصفهاني قال : " سمعت من مشايخنا بمصر يذكرون أن أبا عبدالرحمن فارق مصر في آخر عمره وخرج إلى دمشق فسئل بها عن معاوية ابن أبي سفيان وما روي من فضائله ، فقال : لا يرضى معاوية رأسا برأس حتى يفضل ؟ قال : فما زالوا يدفعون في حضنيه حتى أخرج من المسجد ثم حمل إلى الرملة ومات بها " (معرفة علوم الحديث ص 83 .
ونقل ابن حجر عن علي بن عمر : " النسائي أفقه مشايخ مصر في عصره ... فلما بلغ هذا المبلغ حسدوه ، فخرج إلى رملة ، فسئل عن فضائل معاوية ، فأمسك عنه فضربوه في الجامع ، فقال : أخرجوني إلى مكة فأخرجوه وهو عليل ، وتوفي مقتولا شهيدا ...
وقال أبو بكر المأموني : سألته عن تصنيفه كتاب الخصائص ، فقال : دخلت دمشق والمنحرف بها علي كثير ، وصنفت كتاب الخصائص رجاء أن يهديهم الله ، ثم صنف بعد ذلك كتاب فضائل الصحابة ، وقرأها على الناس ، وقيل له وأنا حاضر : ألا تخرج فضائل معاوية ، فقال : أي شيء أخرج اللهم لا تشبع بطنه " تهذيب التهذيب ج1 ص 33.
ما رواه البخاري من مناقب لمعاوية
ومع ذلك فقد ذكر البخاري معاوية في كتاب فضائل الصحابة تحت عنوان باب ذكر معاوية ، وذكر تحته خبرا روي عن ابن أبي مليكة قيل لابن عباس : هل لك في أمير المؤمنين معاوية ، فإنه ما أوتر إلا بواحدة ، قال : إنه فقيه " ، وروى قبله : " قال ابن عباس : دعه فإنه صحب رسول الله (ص) " (صحيح البخاري ج5ص35.).
قال الحافظ ابن حجر تعليقا على ذلك : " عبر البخاري في هذه الترجمة بقوله ذكر ، ولم يقل فضيلة ولا منقبة لكون الفضيلة لا تؤخذ من حديث الباب ، ... ثم ساق عن ابن راهويه أنه قال : لم يصح في فضائل معاوية شيء ، فهذه النكتة في عدول البخاري عن التصريح بلفظ منقبة اعتمادا على قول شيخه ... وقصة النسائي في ذلك مشهورة ، وكأنه اعتمد أيضا على قول شيخه إسحاق ، وكذلك في قصة الحاكم ... وقد ورد في فضائل معاوية أحاديث كثيرة ، لكن ليس فيها ما يصح من طريق الاسناد ، وبذلك جزم إسحاق بن راهوية والنسائي وغيرهما ، والله أعلم " (فتح الباري ج7 ص 104 ) .
ولكن ما هي حقيقة كلمة ابن عباس ؟
روى أبو جعفر الطحاوي عن عطاء قال : " قال رجل لابن عباس (رض) : هل لك في معاوية أوتر بواحدة ؟! وهو يريد أن يعيب معاوية ، فقال ابن عباس : أصاب معاوية .
قيل له : قد روى عن ابن عباس (رض) في فعل معاوية هذا ما يدل على إنكاره إياه عليه ، وذلك أن أبا غسان مالك بن يحيى الهمداني حدثنا قال : ثنا عبد الوهاب عن عطاء قال : أنا عمران بن حدير عن عكرمة أنه قال : كنت مع ابن عباس عند معاوية نتحدث حتى ذهب هزيع من الليل ، فقام معاوية ، فركع ركعة واحدة ، فقال ابن عباس : من أين ترى أخذها الحمار ؟! .
حدثنا أبو بكرة قال : ثنا عثمان بن عمر قال : ثنا عمران ، فذكر بإسناده مثله ، إلا أنه لم يقل الحمار ، وقد يجوز أن يكون قول ابن عباس ( أصاب معاوية ) على التقية له ، أي أصاب في شيء آخر ، لأنه كان في زمنه ولا يجوز عليه – عندنا - أن يكون ما خالف فعل رسول الله (ص) الذي قد علمه عنه صوابا ، وقد روى عن ابن عباس في الوتر أنه ثلاث ... فمحال أن يكون الوتر عنده يجزي فيه أقل من ثلاث ، ثم يصليه حينئذ ثلاثا مع ما يخاف من فوت الفجر ، فدل ذلك على ( صحيح مسلم ج4 ص19451) صحة ما صرفنا إليه معاني أحاديثه في الوتر أنها ثلاث ، وقد روي عن علي بن أبي طالب في الوتر أيضا أنه ثلاث. ".
ما رواه مسلم من مناقب لمعاوية
لم يتجرأ مسلم أن يذكر معاوية في المناقب ، ولكن تجرأ وقال ( باب من فضائل أبي سفيان بن حرب ) وكأنها ليست واحدة !! وذكر ضمنها أمرا لمعاوية ، والخبر عن ابن عباس قال : كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ، ولا يقاعدونه ، فقال للنبي (ص) : يا نبي الله ! ثلاث أعطنيهن ، قال : نعم ، قال : عندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان ، أزوجكها ، قال : نعم ، قال : ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك ، قال : نعم ، قال : وتؤمّرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل شرح معاني الآثار ج1ص 289-290 ) المسلمـين ، قال : نعم "
قال ابن الجوزي تعليقا على هذا الخبر : " وفي هذا الحديث وهم من بعض الرواة لا شك فيه ولا تردد ، وقد اتهموا به عكرمة بن عمار راوي الحديث ، وقد ضعف أحاديثه يحيى بن سعيد ، وقال : ليست صحاح ، وكذلك أحمد بن حنبل : هي أحاديث ضعاف ، ولذلك لم يخرج عنه البخاري ، وإنما أخرج عنه مسلم ، لأنه قد قال يحيى بن معين : هو ثقة .
وإنما قلنا : إن هذا وهم لأن أهل التاريخ أجمعوا على أن أم حبيبة كانت عند عبدالله بن جحش ، وولدت له ، وهاجر بها وهما مسلمان إلى أرض الحبشة ، ثم
تنصر وثبتت هي على دينها ، فبعث رسول الله (ص) إلى النجاشي ليخطبها عليها ، فزوجه إياها ، وأصدقها عن رسول الله (ص) وذلك في سنة سبع من الهجرة ، وجاء أبو سفيان في زمن الهدنة ، فدخل عليها ، فتلت بساط رسول الله (ص) حتى لا يجلس عليه ، ولا خلاف أن أبا سفيان ومعاوية أسلما في فتح مكة سنة ثمان ، ولا نعرف أن رسول الله (ص) أمّر أبا سفيان ، وقد أنبأنا ابن ناصر عن أبي عبدالله الحميدي قال : حدثنا أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الحافظ – المعروف بابن حزم - قال : هذا الحديث موضوع لا شك في وضعه ، والآفة فيه من عكرمة بن عمار ، ولم يختلف أن رسول الله (ص) تزوجها قبل الفتح بدهر وأبوها كافر " (كشف المشكل من حديث الصحيحين ج2 ص 463 -4641) .
قال الآبي : " قال بعضهم : ومما يحقق الوهم فيه قول أبي سفيان : أريد أن تؤمّرني ، قال : ولم يسمع قط أنه أمّره إلى أن توفي ، وكيف يخلف رسول الله (ص) الوعد ؟! هذا مما لا يجوز عليه " (اكمال إكمال المعلم ج 8 ص 428 – 429 ) .
والفضيلة الأخرى التي قيل إن مسلم ذكرها لمعاوية حديث " لا أشبع الله بطنه " رواها مسلم عن ابن عباس قال : كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول الله (ص) ، فتواريت خلف الباب ، قال : فجاء فحطأني حطأة ، وقال : اذهب وادع لي معاوية ، قال : فجئت قلت : هو يأكل ، قال : ثم قال لي : اذهب فادع لي معاوية ، قال : فجئت ، فقلت : هو يأكل ، فقال : لا أشبع الله بطنه " (صحيح مسلم ج4 ص 2010) .
ذكر الخبر في كتاب البر والصلة تحت باب من لعنه النبي (ص) أو سبه أو دعا عليه وليس هو أهلا لذلك كان له زكاة وأجرا أورحمة .
قال ابن كثير تعليقا على ذلك : " وقد انتفع معاوية بهذه الدعوة في دنياه وأخراه ، أما في دنياه فإنه لما صار إلى الشام أميرا ، كان يأكل في اليوم سبع مرات ، يجاء بقصعة فيها لحم كثير وبصل فيأكل منها ، ويأكل في اليوم سبع أكلات بلحم ، ومن الحلوى والفاكهة شيئا كثيرا ، ويقول : والله ما أشبع وإنما أعيا ، وهذه نعمة ومعدة يرغب فيها كل الملوك .
وأما في الآخرة فقد أتبع مسلم هذا الحديث بالحديث الذي رواه البخاري وغيرهما من غير وجه عن جماعة من الصحابة أن رسول الله (ص) قال : اللهم إنما أنا بشر فأيما عبد سببته أوجلدته أو دعوت عليه وليس لذلك أهلا فاجعل ذلك كفارة وقربة تقربه بها عندك يوم القيامة ، فركب مسلم من الحديث الأول وهذا الحديث فضيلة لمعاوية ، ولم يورد غير ذلك " (البداية والنهاية ج8 ص 128
وهكذا حينما قال النسائي مستهزءا بمن يطلب ذكر فضيلة لمعاوية : أي شيء أخرج حديث اللهم لا تشبع بطنه ، علق الذهبي على ذلك بقوله : " قلت : لعل أن يقال هذه منقبة لمعاوية لقوله (ص) : اللهم من لعنته أو سببته فاجعل ذلك له زكاة ورحمة " ( سير اعلام النبلاء ج14 ص 130).
ولنا تعليقات على هذه المهزلة التي بدأها مسلم ، وطبل لها أميو الشام أمثال ابن كثير والذهبي ، فنقول :
أولا : كثيرا ما أشكل على التقية عند الشيعة بأنها توجب أن لا نعرف الحق ، لأننا لا نميز أن الامام تكلم بقصد إيصال الحكم الواقعي أم تقية ، وهنا نقول : كيف نميز أن رسول الله (ص) لعن مستحقا هنا ، ولعن غير مستحق هناك ، حتي تكون مثلبة للأول ومنقبة للثاني ، ونهاية كيف نميز بين الحق والباطل ، انطلاقا من أقوال الرسول (ص) وأرشاداته في تحديد أهل الباطل الملعونين ، وكيف نحدد أن اللعنة التي صدرت منه (ص) بقصد اللعن المدخل لجهنم أم بقصد اللعن المدخل للجنة ؟!!
ثانيا : لو سلمنا بذلك فكل ما يثبت أن رسول الله (ص) لعن غير مستحق للعن ، وثبت الأجر والثواب للملعون ، لكن أخبرونا كيف تتحول إلى منقبة من مناقب الملعون ، وهل كل من ثبت له شيء من الثواب عد ذلك في مناقبه ؟!!
ثالثا : كثرة الأكل أمر مذموم لا ممدوح ، أم التعصب لمعاوية يعمي إلى هذه الدرجة ؟! روى الترمذي تحت باب ما جاء في كراهية كثرة الأكل عن مقدام بن معدي كرب قال : سمعت رسول الله (ص) يقول : ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن ، بحسب بن آدم أكلات يقمن صلبه ، فإن كان لا محالة ، فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنَفسه " .
- سنن الترمذي ج4 ص590 قال أبوعيسى : "هذا حديث حسن صحيح ".
بقلم// مصطفى منيب
لابد من الاعترف ان محاولة تسويق فضائل بعض الشخصيات , مثل معاوية وابنه يزيد , واختلاق الاعذار لهم عما اقترفت ایديهم بحق الاسلام والمسلمين , والانكى مقارنة هذه النماذج بأعظم الشخصيات الاسلامية وأسماها , وفي مقدمتها أمير المؤمنين الامام علي بن ابي طالب عليه السلام, وسبطي رسول الله صلى الله عليه واله , الحسن والحسين عليهما السلام, فمثل هذه المحاولة لاتصدر الا عن جهة سياسية تسعى لتشويه صورة الاسلام , وتبرير كل الفظائع التي ترتكب اليوم في بلاد المسلمين ,وتسويقها على انها عين الاسلام وان لها امتدادا في تاريخ الامة, وان الحاكم مهما فسق وفجر فهو ظل الله في الارض وان من كبائر الذنوب الخروج عليه , وادخال هذه العقيدة الفاسدة في المنظومة المعرفية للانسان المسلم ,لشل تفكيره , وصولا الى تدجينه نهائيا , عبر تسويق هذه الروايات الملفقة عن الاسلام.
ومن اجل وضع القارىء في الصورة التي تحاول الجهات التي تقف وراء مسلسل الاسباط تسويقها مقلوبة الى عقلية الانسان المسلم , ليدرك مدى التدليس والتزييف والكذب الذي مارسته هذه الجهات , للي الحقائق واظهارها كما يريد الطغاة لا كما كانت.
حقيقة بني أمية على لسان الصادق الامین(ص)
- جاء في التفسير الكبير للفخر الرازي , في ذيل تفسير قوله تعالى: (وماجعلنا الرؤيا التي اريناك الا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القران) في سورة بني اسرائيل قال : وفي هذه الرؤيا اقوال (الى ان قال) والقول الثالث قال سعيد بن المسيب :رأي رسول الله صلى الله عليه(اله) وسلم بني أمية ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك , قال :هذا قول ابن عباس في رواية عطا.
- (السيوطي في الدر المنثور) في ذيل تفسير الاية المتقدمة , قال : واخرج ابن ابي حاتم عن يعلي بن مروة قال : قال رسول الله صلى الله عليه (واله) وسلم : اريت بني امية على منابر الارض وسيمكونكم فتجدونهم أرباب سوء , واهتم رسول الله صلى اله عليه (واله ( وسلم لذلك فأنزل الله (وما جعلنا الرؤيا التي اريناك الا فتنة للناس).
- (وقال ايضا) اخرج ابن مردويه هن الحسين بن علي عليهما السلام ان رسول الله صلى الله عليه (واله) وسلم اصبح وهو مهموم فقيل : ما لك يارسول الله؟ فقال : اني رأيت في المنام وكأن بني امية يتعاورون منبري هذا فقيل: يارسول الله لا تهتم فأنها دنيا تنالهم فأنزل الله (وماجعلنا الرؤيا التي أريناك الا فتنة للناس).
(وقال ايضا) اخرج ابن ابي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن سعيد بن المسيب ,وقال : رأى رسول الله صلى الله عليه (واله) وسلم بني امية على المنابر فساءه ذلك فأوحى الله اليه : انما هي دنيا اعطوها فقرت عينه وهي وله :( وما جعلنا الرؤيا التي اريناك الا فتنة للناس ) يعني بلاء للناس - (اقول) وذكر الاخير المتقي ايضا في كنز العمال (ج7 ص 142).
حقيقة معاوية على لسان الصادق الامين(ص)
- (ميزان الاعتدال للذهبي ج2ص7) قال : روى عباد بن يعقوب عن شريك عن عاصم عن زر عن عبد الله قال رسول صلى اله عليه (واله) وسلم : اذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه(اقول) وقد صحح الذهبي الحديث المذكور.
- (ميزان الاعتدال ايضا ج2 ص129) ذكر حديثا قد اعترف بصحته عن ابي سعيد رفعه , اذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه ,وذكر ايضا نحوه عن ابي جدعان.
-(تهذيب التهذيب ايضا ج7 ص 324) في ترجمة علي بن زيد بن عبد الله بن ابي مليكه , قال : حدث حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن ابي نضرة عن ابي سعيد رفعه اذا رايتم معاوية على هذه الاعواد فاقتلوه , قال ابن حجر: واخرجه الحسن بن سفيان في مسنده عن اسحاق عن عبد الرزاق عن ابن عينيه عن علي بن زيد , قال : والمحفوظ عن عبد الرزاق عن جعفر ابن سليمان عن علي ولكن لفظ بن عينيه: فارجموه, فال : اورده ابن عدي عن الحسن بن سفيان.
معاوية في التاريخ
ننقل هنا سطورا من كتاب السيف والسياسة لصالح الورداني , والتي لخص فيها بعض ما أقترفه معاوية بحق الاسلام والمسلمين , ونرى هل تستقيم دعوة الجهات التي تقف وراء مسلسل الاسباط لتبرير كل ذلك الكم الهائل من الجرائم التي ارتكبها الرجل وتسويقه على انه من رجال الاسلام.
( لم يكن معاوية يتحلى بشئ من خلق الإسلام أو يتأدب بأدبه كما لم ينهل شيئا من العلم كذلك كان حال من تحالف معه وكان من جنده . . وكانت رايته راية دنيا وهوى ولم يكن للدين فيها أدنى نصيب . .
من هنا فإنه يمكن القول أن معاوية ربما يكون أول من ابتدع قاعدة الغاية تبرر الوسيلة وعلى أساسها حطم القيم والمبادئ وانتهك الحرمات وأراق الدماء ونقض العهود وغدر بالمسلمين وبدل أحكام الدين.
ولقد استعان معاوية بشرار الخلق من أجل تصفية المعارضين والقضاء على شيعة الإمام علي ومحو ذكره. وعلى رأس الذين استعان بهم معاوية في تصفية المسلمين الملتزمين بالإسلام النبوي من أنصار الإمام بسر بن أرطأة .
تلك الشخصية الدموية التي لم ترحم شيخا ولا امرأة ولا طفلا وارتكبت من الفظائع والمنكرات ما تقشعر له الأبدان .
تروي كتب التاريخ أن معاوية أرسل بسر بن أبي أرطأة ليستخلص الحجاز واليمن من الإمام علي ولما دخل المدينة صعد منبرها وقال : أين شيخي الذي عهدته هنا بالأمس ( يعني عثمان ) ثم قال يا أهل المدينة عليكم ببيعة معاوية وأرسل إلى بني سلمة فقال ما لكم عندي أمان ولا مبايعة حتى تأتوني بجابر بن عبد الله وكان من شيعة الإمام ثم قام بهدم دورا بالمدينة . وانطلق إلى مكة ففر منه أبو موسى الأشعري فقيل ذلك لبسر . فقال ما كنت لأقتله وقد خلع عليا . وأتى إلى اليمن فقتل
عاملها وابنه ثم قتل ابنان صغيران لعبيد الله بن عباس الذي كان قد فر من وجهه إلى الكوفة. وقد صاحت في وجه بسر امرأة من بني كنانة قائلة في غضب : يا هذا قتلت الرجال فعلام تقتل هذين والله ما كانوا يقتلون في الجاهلية والإسلام . والله يا ابن أبي أرطأة إن سلطانا لا يقوم إلا بقتل الصبي الصغير والشيخ . الكبير ونزع الرحمة وعقوق الأرحام لسلطان سوء . . ( أنظر الإستيعاب ترجمة بسر بن أرطأة وكذلك الإصابة وأسد الغابة )
ولم تقف جرائم بسر عند هذا الحد بل تجاوزه . . إلى ارتكاب جريمة لم يسبقه إليها أحد في تاريخ الإسلام وهي سبي نساء المسلمين . .
يروي ابن عبد البر : أغار بسر بن أرطأة على همدان . وكانت في يد علي - وسبى نساءهم فكن أول مسلمات سبين في الإسلام . وقتل أحياء من بني سعد . . ( أنظر الإستيعاب )
ويروى أن بسر بن أرطأة كان من الأبطال الطغاة وبارز عليا يوم صفين فطعنه علي فصرعه فانكشف له - أي كشف عورته له - فكف عنه كما عرض له مع عمرو بن العاص . . ( أنظر الإستيعاب ترجمة بسر بن أرطأة وكذلك الإصابة وأسد الغابة )
ويروى بخصوص بسر وعمرو : إنما كان انصراف علي عنهما وعن أمثالها من مصروع أو منهزم لأنه كان لا يرى في قتلا الباغين عليه من المسلمين أن يتبع مدبر ولا يجهز على جريح ولا يقتل أسير وتلك كانت سيرته في حروبه في الإسلام (أنظر الإستيعاب ترجمة بسر بن أرطأة وكذلك الإصابة وأسد الغابة ).
وبسر هذا الذي ارتكب هذه الفظائع من أجل معاوية يعده القوم من الصحابة لأنه ولد في حياة الرسول ورآه وعلى هذا يدخل بسر في دائرة العدالة حسب قاعدة عدالة الصحابة وبالتالي تتحول جرائمه إلى اجتهادات فعلها متأولا ويثاب عليها .
وجميع من تحالف مع معاوية هو من نموذج ابن أرطأة من الصحابة المختلقين الذين تحص بهم معاوية وجاء أهل السنة فأضفوا عليهم المشروعية
ومن هنا فقد روى بسر عدة أحاديث في كتب السنن على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ففي سنن أبي داود روى قول الرسول صلى الله عليه وسلم : لا تقطع الأيدي - للسارق - في السفر .
وعند ابن حبان روى عن الرسول قوله اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها . وقال فيه ابن حبان : كان يلي لمعاوية الأعمال وكان إذا دعا ربما استجيب له وله أخبار شهيرة في الفتن لا ينبغي التشاغل بها . . (أنظر الإصابة ج1 . ترجمة بسر بن أرطاة ) .
وكان معاوية أول من ابتدأ بقطع الرؤوس في الإسلام . وكان قد قطع رأس عمار بن ياسر ورأس عمرو بن الحمق وهو أحد الذين قادوا الثورة ضد عثمان . كذلك فعل مع محمد بن أبي بكر في مصر حين دخلها عمرو بن العاص ووضعوا جثته في حمار ميت وأحرقوها . وقد أصبحت سنة قطع الرؤوس التي سنها معاوية من السنن التي التزم بها الحكام من بعده . .( أنظر كتب التاريخ والتراجم ).
ومن جرائم معاوية أمره بسب الإمام علي ولعنه على المنابر ومثل هذه الجريمة لا تعد موقفا شخصيا عدائيا من الإمام إنما هي تعبر عن عدائية معاوية للإسلام النبوي الذي يمثله وخوفه من أن تتسرب مفاهيم هذا الإسلام للمسلمين فيكتشفوا زيفه وضلاله .
ولقد تصدى شيعة الإمام لهذه الحملة الإعلامية الشيطانية التي قادها معاوية ضد الإمام علي بعد مصرعه ومصرع الحسن وسيطرته على الحكم . . وعلى رأس الذين تصدوا لحملة معاوية هذه الصحابي الجليل حجر بن عدي وعدد من أنصار الإمام في ولاية زياد بن أبيه بالعراق .
فكان أن قبض عليه زياد وعدد من رفاقه وأرسلهم إلى معاوية في الشام بكتاب يحرضه فيه عليهم متهما حجرا وأصحابه بالدفاع عن علي والبراءة من عدوه وأهل حربه . وقد طلب من حجر وأصحابه البراءة من علي ولعنه فأبوا . وقال حجر : لا اقول مايسخط الرب . فأمر معاوية بقتله وعدد من أصحابه في مرج عذراء عام 51.
- أنظر الطبري ج4 / 190 وما بعدها . وانظر الإصابة ج1 / 333 حرف الحاء القسم الأول والإستيعاب بهامشه ج1 / 381 / 382 .
ومن جرائم معاوية تآمره على قتل الإمام الحسن بالسم وتوليه ولده يزيد خليفة له فكان أن شرع للملكية في الإسلام لتذوق الأمة على يد ولده وملوك بني مروان من بعده ألوان العذاب والظلم والاستبداد. .
يقول الحسن البصري : أربع خصال كن في معاوية لو لم تكن فيه إلا واحدة لكانت موبقة . انتزاؤه على هذه الأمة بالسيف حتى أخذ الأمر من غير مشورة وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة . واستخلافه بعده ابنه سكيرا خميرا يلبس الحرير ويضرب
الطنابير . وادعاؤه زيادا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الولد للفراش وللعاهر الحجر . وقتله حجرا وأصحاب حجر فيا ويلا له من حجر ويا ويلا له من حجر واصحاب حجر .أنظر الكامل ج3 / 242 . والبداية والنهاية ج8 / 130
وعلى يد يزيد بن معاوية وقعت جريمتان بشعتان : الأولى قتل الحسين وأهل بيته في كربلاء . والثانية استحلاله مدينة رسول الله وذبح أهلها وهتك أعراض نساءها . .
تروي كتب التاريخ أن أهل المدينة عصوا يزيد وشقوا عصا الطاعة بعد مصرع الحسين فكان أن سير إليهم جيشا استباح المدينة ثلاثة أيام وقتل آلاف الأنفس من الأشراف وغيرهم وهتك أعراض النساء حتى قيل أنه حبلت ألف امرأة في تلك الأيام من غير زواج . . ( أنظر الطبري ج4 / 372 وما بعدها . والكامل ج3 / 310 وما بعدها . والبداية والنهاية ج8 / 372 وما بعدها )
وعلى الرغم من هاتين الجريمتين بالإضافة إلى منكرات يزيد الأخرى فإن فقهاءالقوم قد انقسموا على أنفسهم تجاهه . فمنهم من أجاز لعنه وهم قلة . بينما توقف أكثرهم فيه بحجة أن ذلك سوف يفتح الباب للعن والده أو غيره من الصحابة . . ( أنظر البداية والنهاية ج8 / 223. واستدل أحمد على جواز لعن يزيد بقوله تعالى : فهل عسيتم أن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله سورة محمد . . ثم قال : وأي فساد وقطع رحم أكبر مما ارتكب يزيد . )
يقول الحسن البصري عن أهل الشام : قبحهم الله وبرحهم أليس هم الذين أحلوا حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتلون أهله ثلاثا قد أباحوها لأنباطهم وأقباطهم يحملون الحرائر ذوات الدين لا ينتهون عن انتهاك حرمة ثم خرجوا إلى بيت الله الحرام فهدموا الكعبة وأوقدوا النيران بين حجارها وأستارها عليهم لعنة الله وسوء الدار . . ( أنظر الكامل ج4 / 170 . )
ويلاحظ أن الحسن البصري يلعن أهل الشام بالعموم دون تحديد وهو بهذا يسير على نهج القوم من عدم جواز لعن المعين . كما أن هذا الموقف كان في العصر العباسي .
ابن تيمية ويزيد
أما ابن تيمية فقد دافع من يزيد ونفى عنه كل الشبهات بقوله : كان من شبان المسلمين ولا كان كافرا ولا زنديقا وتولى بعد أبيه على كراهة من بعض المسلمين ورضا من بعضهم . وكان فيه شجاعة وكرم ولم يكن مظهرا للفواحش كما يحكي عنه خصومه وهو لم يأمر بقتل الحسين ولا أظهر الفرح بقتله . . لكن أمر بمنع الحسين وبدفعه عن الأمر ولو كان بقتاله . . ( فتاوى ابن تيمية ج3 / 410. وما بعدها . . وابن تيمية معذور في موقفه هذا إذ أن كبير فقهاء الصحابة في نظر أهل السنة عبد الله بن عمر قد بايع يزيد وهدد أهل المدينة الذين خلعوا يزيد بقوله إني لا أعلم عذرا أعظم من أن يبايع رجل - يزيد - على بيع الله ورسوله ثم ينصب له القتال وإني لا أعلم أحدا منكم خلعه - أي يزيد - إلا كان الفيصل بين وبينه . ولما جاء جيش يزيد واقتحم المدينة وفعل بها ما فعل بعد مصرع الحسين أمن ابن عمر وحزبه ولم يمسهم بسوء . وما حدث لأهل المدينة على يد جنود يزيد لا يعد جريمة ولا فاحشة في نظر ابن تيمية . أنظر البخاري كتاب الفتن . وانظر تبريرات فقهاء السنة لهذا الحدث الأليم في البداية والنهاية لابن كثير وغيره من كتب التأريخ).
حقيقة فضائل معاوية في الصحيحين
ومن اجل وضع النقاط على حروف سيرة حياة معاوية , يبقى ان نراجع ما له من فضائل في كتب الحديث , وسنقتبس بعض صفحات من كتاب النفيس في رزية الخميس.
( روى ابن الجوزي عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي – ابن راهويه - يقول : " لا يصح عن النبي (ص) في فضل معاوية بن أبي سفيان شيء " .
... البزار حدثنا أبي سعيد بن الحرفي حدثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل قال : سألت أبي فقلت ما تقول في علي ومعاوية ؟ ، فأطرق ثم قال: إيش أقول فيهما إن عليا الموضوعات ج1 ص335 (ع) كان كثير الأعداء ففتش أعداؤه له عيبا فلم يجدوا ، فجاءوا إلى رجل قد حاربه وقاتله فأطروه كيادا منهم له " () .
ونقل كلمة ابن راهويه السيوطي عن الحاكم ، قال بعد ذكر عدة أحاديث موضوعة في فضل معاوية : " قال الحاكم : سمعت أبا العباس محمد بن يعقوب بن يوسف يقول : سمعت أبي يقول : سمعت إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقول : لا يصح في فضل معاوية حديث " (اللآليء المصنوعة ج1 ص 388 ) .
وأما قصة النسائي ورفضه لوجود فضيلة لمعاوية بل كان يعتقد أن الأخبار جاءت بذمه فمن واضحات ما سطر في الكتب ، وممن رواها الحاكم النيسابوري عن محمد بن إسحاق الاصفهاني قال : " سمعت من مشايخنا بمصر يذكرون أن أبا عبدالرحمن فارق مصر في آخر عمره وخرج إلى دمشق فسئل بها عن معاوية ابن أبي سفيان وما روي من فضائله ، فقال : لا يرضى معاوية رأسا برأس حتى يفضل ؟ قال : فما زالوا يدفعون في حضنيه حتى أخرج من المسجد ثم حمل إلى الرملة ومات بها " (معرفة علوم الحديث ص 83 .
ونقل ابن حجر عن علي بن عمر : " النسائي أفقه مشايخ مصر في عصره ... فلما بلغ هذا المبلغ حسدوه ، فخرج إلى رملة ، فسئل عن فضائل معاوية ، فأمسك عنه فضربوه في الجامع ، فقال : أخرجوني إلى مكة فأخرجوه وهو عليل ، وتوفي مقتولا شهيدا ...
وقال أبو بكر المأموني : سألته عن تصنيفه كتاب الخصائص ، فقال : دخلت دمشق والمنحرف بها علي كثير ، وصنفت كتاب الخصائص رجاء أن يهديهم الله ، ثم صنف بعد ذلك كتاب فضائل الصحابة ، وقرأها على الناس ، وقيل له وأنا حاضر : ألا تخرج فضائل معاوية ، فقال : أي شيء أخرج اللهم لا تشبع بطنه " تهذيب التهذيب ج1 ص 33.
ما رواه البخاري من مناقب لمعاوية
ومع ذلك فقد ذكر البخاري معاوية في كتاب فضائل الصحابة تحت عنوان باب ذكر معاوية ، وذكر تحته خبرا روي عن ابن أبي مليكة قيل لابن عباس : هل لك في أمير المؤمنين معاوية ، فإنه ما أوتر إلا بواحدة ، قال : إنه فقيه " ، وروى قبله : " قال ابن عباس : دعه فإنه صحب رسول الله (ص) " (صحيح البخاري ج5ص35.).
قال الحافظ ابن حجر تعليقا على ذلك : " عبر البخاري في هذه الترجمة بقوله ذكر ، ولم يقل فضيلة ولا منقبة لكون الفضيلة لا تؤخذ من حديث الباب ، ... ثم ساق عن ابن راهويه أنه قال : لم يصح في فضائل معاوية شيء ، فهذه النكتة في عدول البخاري عن التصريح بلفظ منقبة اعتمادا على قول شيخه ... وقصة النسائي في ذلك مشهورة ، وكأنه اعتمد أيضا على قول شيخه إسحاق ، وكذلك في قصة الحاكم ... وقد ورد في فضائل معاوية أحاديث كثيرة ، لكن ليس فيها ما يصح من طريق الاسناد ، وبذلك جزم إسحاق بن راهوية والنسائي وغيرهما ، والله أعلم " (فتح الباري ج7 ص 104 ) .
ولكن ما هي حقيقة كلمة ابن عباس ؟
روى أبو جعفر الطحاوي عن عطاء قال : " قال رجل لابن عباس (رض) : هل لك في معاوية أوتر بواحدة ؟! وهو يريد أن يعيب معاوية ، فقال ابن عباس : أصاب معاوية .
قيل له : قد روى عن ابن عباس (رض) في فعل معاوية هذا ما يدل على إنكاره إياه عليه ، وذلك أن أبا غسان مالك بن يحيى الهمداني حدثنا قال : ثنا عبد الوهاب عن عطاء قال : أنا عمران بن حدير عن عكرمة أنه قال : كنت مع ابن عباس عند معاوية نتحدث حتى ذهب هزيع من الليل ، فقام معاوية ، فركع ركعة واحدة ، فقال ابن عباس : من أين ترى أخذها الحمار ؟! .
حدثنا أبو بكرة قال : ثنا عثمان بن عمر قال : ثنا عمران ، فذكر بإسناده مثله ، إلا أنه لم يقل الحمار ، وقد يجوز أن يكون قول ابن عباس ( أصاب معاوية ) على التقية له ، أي أصاب في شيء آخر ، لأنه كان في زمنه ولا يجوز عليه – عندنا - أن يكون ما خالف فعل رسول الله (ص) الذي قد علمه عنه صوابا ، وقد روى عن ابن عباس في الوتر أنه ثلاث ... فمحال أن يكون الوتر عنده يجزي فيه أقل من ثلاث ، ثم يصليه حينئذ ثلاثا مع ما يخاف من فوت الفجر ، فدل ذلك على ( صحيح مسلم ج4 ص19451) صحة ما صرفنا إليه معاني أحاديثه في الوتر أنها ثلاث ، وقد روي عن علي بن أبي طالب في الوتر أيضا أنه ثلاث. ".
ما رواه مسلم من مناقب لمعاوية
لم يتجرأ مسلم أن يذكر معاوية في المناقب ، ولكن تجرأ وقال ( باب من فضائل أبي سفيان بن حرب ) وكأنها ليست واحدة !! وذكر ضمنها أمرا لمعاوية ، والخبر عن ابن عباس قال : كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ، ولا يقاعدونه ، فقال للنبي (ص) : يا نبي الله ! ثلاث أعطنيهن ، قال : نعم ، قال : عندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان ، أزوجكها ، قال : نعم ، قال : ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك ، قال : نعم ، قال : وتؤمّرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل شرح معاني الآثار ج1ص 289-290 ) المسلمـين ، قال : نعم "
قال ابن الجوزي تعليقا على هذا الخبر : " وفي هذا الحديث وهم من بعض الرواة لا شك فيه ولا تردد ، وقد اتهموا به عكرمة بن عمار راوي الحديث ، وقد ضعف أحاديثه يحيى بن سعيد ، وقال : ليست صحاح ، وكذلك أحمد بن حنبل : هي أحاديث ضعاف ، ولذلك لم يخرج عنه البخاري ، وإنما أخرج عنه مسلم ، لأنه قد قال يحيى بن معين : هو ثقة .
وإنما قلنا : إن هذا وهم لأن أهل التاريخ أجمعوا على أن أم حبيبة كانت عند عبدالله بن جحش ، وولدت له ، وهاجر بها وهما مسلمان إلى أرض الحبشة ، ثم
تنصر وثبتت هي على دينها ، فبعث رسول الله (ص) إلى النجاشي ليخطبها عليها ، فزوجه إياها ، وأصدقها عن رسول الله (ص) وذلك في سنة سبع من الهجرة ، وجاء أبو سفيان في زمن الهدنة ، فدخل عليها ، فتلت بساط رسول الله (ص) حتى لا يجلس عليه ، ولا خلاف أن أبا سفيان ومعاوية أسلما في فتح مكة سنة ثمان ، ولا نعرف أن رسول الله (ص) أمّر أبا سفيان ، وقد أنبأنا ابن ناصر عن أبي عبدالله الحميدي قال : حدثنا أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الحافظ – المعروف بابن حزم - قال : هذا الحديث موضوع لا شك في وضعه ، والآفة فيه من عكرمة بن عمار ، ولم يختلف أن رسول الله (ص) تزوجها قبل الفتح بدهر وأبوها كافر " (كشف المشكل من حديث الصحيحين ج2 ص 463 -4641) .
قال الآبي : " قال بعضهم : ومما يحقق الوهم فيه قول أبي سفيان : أريد أن تؤمّرني ، قال : ولم يسمع قط أنه أمّره إلى أن توفي ، وكيف يخلف رسول الله (ص) الوعد ؟! هذا مما لا يجوز عليه " (اكمال إكمال المعلم ج 8 ص 428 – 429 ) .
والفضيلة الأخرى التي قيل إن مسلم ذكرها لمعاوية حديث " لا أشبع الله بطنه " رواها مسلم عن ابن عباس قال : كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول الله (ص) ، فتواريت خلف الباب ، قال : فجاء فحطأني حطأة ، وقال : اذهب وادع لي معاوية ، قال : فجئت قلت : هو يأكل ، قال : ثم قال لي : اذهب فادع لي معاوية ، قال : فجئت ، فقلت : هو يأكل ، فقال : لا أشبع الله بطنه " (صحيح مسلم ج4 ص 2010) .
ذكر الخبر في كتاب البر والصلة تحت باب من لعنه النبي (ص) أو سبه أو دعا عليه وليس هو أهلا لذلك كان له زكاة وأجرا أورحمة .
قال ابن كثير تعليقا على ذلك : " وقد انتفع معاوية بهذه الدعوة في دنياه وأخراه ، أما في دنياه فإنه لما صار إلى الشام أميرا ، كان يأكل في اليوم سبع مرات ، يجاء بقصعة فيها لحم كثير وبصل فيأكل منها ، ويأكل في اليوم سبع أكلات بلحم ، ومن الحلوى والفاكهة شيئا كثيرا ، ويقول : والله ما أشبع وإنما أعيا ، وهذه نعمة ومعدة يرغب فيها كل الملوك .
وأما في الآخرة فقد أتبع مسلم هذا الحديث بالحديث الذي رواه البخاري وغيرهما من غير وجه عن جماعة من الصحابة أن رسول الله (ص) قال : اللهم إنما أنا بشر فأيما عبد سببته أوجلدته أو دعوت عليه وليس لذلك أهلا فاجعل ذلك كفارة وقربة تقربه بها عندك يوم القيامة ، فركب مسلم من الحديث الأول وهذا الحديث فضيلة لمعاوية ، ولم يورد غير ذلك " (البداية والنهاية ج8 ص 128
وهكذا حينما قال النسائي مستهزءا بمن يطلب ذكر فضيلة لمعاوية : أي شيء أخرج حديث اللهم لا تشبع بطنه ، علق الذهبي على ذلك بقوله : " قلت : لعل أن يقال هذه منقبة لمعاوية لقوله (ص) : اللهم من لعنته أو سببته فاجعل ذلك له زكاة ورحمة " ( سير اعلام النبلاء ج14 ص 130).
ولنا تعليقات على هذه المهزلة التي بدأها مسلم ، وطبل لها أميو الشام أمثال ابن كثير والذهبي ، فنقول :
أولا : كثيرا ما أشكل على التقية عند الشيعة بأنها توجب أن لا نعرف الحق ، لأننا لا نميز أن الامام تكلم بقصد إيصال الحكم الواقعي أم تقية ، وهنا نقول : كيف نميز أن رسول الله (ص) لعن مستحقا هنا ، ولعن غير مستحق هناك ، حتي تكون مثلبة للأول ومنقبة للثاني ، ونهاية كيف نميز بين الحق والباطل ، انطلاقا من أقوال الرسول (ص) وأرشاداته في تحديد أهل الباطل الملعونين ، وكيف نحدد أن اللعنة التي صدرت منه (ص) بقصد اللعن المدخل لجهنم أم بقصد اللعن المدخل للجنة ؟!!
ثانيا : لو سلمنا بذلك فكل ما يثبت أن رسول الله (ص) لعن غير مستحق للعن ، وثبت الأجر والثواب للملعون ، لكن أخبرونا كيف تتحول إلى منقبة من مناقب الملعون ، وهل كل من ثبت له شيء من الثواب عد ذلك في مناقبه ؟!!
ثالثا : كثرة الأكل أمر مذموم لا ممدوح ، أم التعصب لمعاوية يعمي إلى هذه الدرجة ؟! روى الترمذي تحت باب ما جاء في كراهية كثرة الأكل عن مقدام بن معدي كرب قال : سمعت رسول الله (ص) يقول : ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن ، بحسب بن آدم أكلات يقمن صلبه ، فإن كان لا محالة ، فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنَفسه " .
- سنن الترمذي ج4 ص590 قال أبوعيسى : "هذا حديث حسن صحيح ".
بقلم// مصطفى منيب
